الإصلاح مقابل السلاح
«إنّ الإصلاح هو الطريق الوحيد إلى الإنقاذ الحقيقي»
نواف سلام
الإصلاح، بالمعنى السياسي أو الاقتصادي أو المالي، كلمة فضفاضة لا تعني شيئاً بمعزل عن مضمونها وسياقها. والدليل أنه من الصعب أن تجد سياسياً في المعمورة - مهما اختلفت مشاربه السياسية وعقيدته الاقتصادية المعلنة - يعارض الإصلاح كمبدأ. وقد مرّ زمان قبل أن يقع الجميع في أحضان الرأسمالية، عندما كانت كلمة إصلاح تثير الريبة في أوساط اليسار، لأنها غالباً ما تُطرح كبديل عن التغيير الثوري. أمّا وقد نجحت الليبرالية في بسط هيمنتها على النخب المعولمة على تنوّع انتماءاتها السياسية، فقد تكرّست على صعيد المضمون مفاهيم إصلاحية يردّدها السياسي والمحلل والناشط والإعلامي بشكل ببغائي من دون التوقّف عندها.
في الإصلاح السياسي لديك، على سبيل المثال لا الحصر: النزاهة الانتخابية، استقلالية القضاء، الحوكمة الرشيدة، الشفافية، دولة القانون. في الاقتصاد، لديك: التقشف في الإنفاق الحكومي، المبادرة الفردية، الخصخصة، الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تحرير السوق. في المال، هناك: استقرار العملة ولجم التضخم وتجنّب المديونية.
لم تأت هذه المصطلحات، وخاصة في المجالَين الاقتصادي والمالي، من فراغ. تعمّمت في مرحلة صعود النيوليبرالية في السبعينيات والثمانينيات من القرن المتصرم برعاية حثيثة من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وتحت مسمّى «إجماع واشنطن». وقد شكّلت مشروطية صندوق النقد الدولي، أي وضع شروط إعادة هيكلة لضمان الدعم، المضمون الفعلي والعملي لها. بكلام آخر، الإصلاح في الحيّز الاقتصادي والمالي هي كلمة ملطّفة للمشروطية وتخفي وصفة رأسمالية معروفة.
تتحوّل هذه الوصفة في سياق عالم الجنوب إلى أداة سيطرة وتحكّم مزدوجة. فهي لا تُستخدم لمجرّد تطويع سوق مجتمعات الجنوب ونظامها المالي من أجل دمجها في الاقتصاد العالمي بما يخدم مصالح الرأسمالية المستعمرة، بل تُوظَّف، وأحياناً بشكل فجّ، في سبيل تحقيق أهداف سياسية وعسكرية. وفي حالات الصراع الحاد والمباشر مع القوى المعادية للهيمنة الغربية، تُعزَّز المشروطية بسياسة العقوبات المالية والحصار الاقتصادي.
نالت منطقة الشرق الأوسط حصّة الأسد من هذه العقوبات. في العقدين الأخيرين، طالت سياسة العصا تلك لبنان بشكل مباشر بسبب صعود نفوذ المقاومة فيه. قبل «الطوفان»، استخدمت القوى المعادية للمقاومة كل ما أوتيت من دهاء إعلامي وموارد مالية من أجل ربط الأزمات المتعاقبة في المال والاقتصاد والقضاء وكل شاردة وواردة في أذهان الناس -وبشكل حصري- بخيارات المقاومة و«فائض قوتها» مقابل غياب سيادة الدولة.
بعد الحرب، باتت معادلة الإصلاح مقابل السلاح ركناً من أركان الوصاية الأميركية المباشرة. هكذا، تم تصوير التخلّص من السلاح وتنفيذ القرار 1701 وما قد يعنيه من «سلام بارد» وكأنّه الحل السحري لنهضة البلاد من الدرك الأسفل الذي وصلت إليه. اللافت أن احتفالية العهد الجديد ردّدت الشعارات الممجوجة نفسها عن الإصلاح التي سمعناها أثناء تشكيل حكومة حسان دياب والتي يردّدها المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في الصباح والرباح. تبنّى رئيس الحكومة الجديد نواف سلام بمباركة رئاسية خطاب التكنوقراط والكفاءات اللاحزبية كمعايير للتوزير، والتي تتعامل مع المجتمع وكأنه شركة مفلسة ومع الحكومة كمجلس إدارة يجب استبدال أعضائه. ولم يكلّف الإعلام المهلّل نفسه عناء المسائلة حول مضمون تلك السياسات في ما يخص ملفات محددة مثل الكهرباء أو المصارف أو الأجور أو الضرائب أو التعليم أو التنمية.
أمّا الثنائي، فلم تصدر عنه أي مساءلة جدية لمضمون الإصلاح وفضّل تفعيل منطق الميثاقية الطائفي من أجل حفظ حصته في الحكم. وهو ما يعيدنا إلى جذر الصراع. لا يوجد في لبنان اليوم اختلاف ذو قيمة بين أيّ من الأفرقاء السياسيين في ما يخص ملفات الإصلاح والتنمية وغيرها من الملفات الداخلية. الفرق أن هناك فريقاً قريباً من المعسكر الأميركي يجيد خطاب الإصلاح «الحداثوي» و فريق آخر معاد لهذا المعسكر ما زال يستخدم لغة المحاصصة المفضوحة.
المفارقة أنّ الضغوطات الأميركية قد تسفر عن تبنّي كلّ الأطراف للخطاب الإصلاحي الليبرالي فنصبح أمام صورة هزلية لولا خطورة الموقف. وقد جاءت التصريحات الأولية لبعض الوزراء الجدد في الإعلام لتعزّز هذه التوقعات، وإن كان من المبكر الجزم حولها. أعلن وزير الصناعة أنه بحسب دراسة لشركة ماكينزي، يمتلك لبنان تربة صالحة لزراعة الحشيشة. وطمأنتنا وزيرة الشؤون الاجتماعية أن البنك الدولي يريد كل الخير للمحتاجين. وشدّد وزير الطاقة على وجوب ترتيب الهيئة الناظمة لشركة الكهرباء بناء على نصيحة المصرف «ما غيرو». أمّا وزير المالية، فقد اعتبر أنه يستأهل ميدالية لأنه خرج من وزارة الأشغال سابقاً نظيف الكفّ.
بالمحصّلة، وفي غياب مشروع إصلاحي جدّي وجذري، سيبقى التناقض الأساسي في الساحة السياسة مرتبطاً بمسألة السلاح بالمعنى الأوسع، أي بحق وجدوى المقاومة المسلحة والتي هي، بالمناسبة، مكرّسة في قرارات الأمم المتحدة – وعلى رأسها القرار 37/43، الذي يكرّسها كحقّ أصيل للشعوب في محاربة الاستعمار والاحتلال. وستبقى أجندة الإصلاح، وعلى رأسها موضوع إعادة الإعمار، ورقة من أوراق الضغط والابتزاز لإضعاف المقاومة.
إنّ محاربة هذه الإستراتيجية من قبل القوى المحسوبة على المقاومة لا تكون بمجرّد إدانة هذا الربط وتجاهل القضايا الإصلاحية أو الاستخفاف بها كما كانت الحال قبل الحرب أو الاستمرار في ترداد خطاب ممانعجي فارغ. ولا تكون كذلك عبر تبنّي منطق الدولة إلى درجة لن يكون بالمقدور بعدها رفض قرارة الدولة في حال تعارضت مع مصلحة المقاومة وثوابت الصراع مع الكيان الصهيوني.
الأنجع هو تبنّي معادلة لا إصلاح من دون سلاح ولا سلاح من دون إصلاح، والعمل الجاد من أجل تعريف وتبنّي الإصلاح الذي يتلاءم مع تحصين المقاومة من الداخل قبل الخارج. أمّا الأرجح، فهو استمرار لعبة شدّ الحبال وتقطيع الوقت وطبخ المساومات إلى حين مجيء بوسطة الانتخابات النيابية بعد عام ونصف عام. في ظل هذه الضبابية السياسية وقصر عمر المرحلة، سيبقى تعزيز المقاومة الشعبية التي شهدناها في مسيرات العودة إلى القرى الحدودية، وعلى رأسها التعجيل في عملية إعادة الإعمار، معطوفة على ترميم قدرات المقاومة المسلحة من دون ضوضاء، الضمانة الوحيدة لاستكمال تحرير الجنوب وعدم الإذعان للعصر الصهيو ـــ أميركي المتفلّت من عقاله.
* أستاذ جامعي